كريم نجيب الأغر
200
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
وللمستحاضة حكم الطاهرات ، فتصلي وتصوم وتعتكف وتقرأ القرآن وتمس المصحف وتحمله وتفعل كل العبادات وهذا مجمع عليه من جمهور العلماء . والإسلام يخالف اليهود بأنه يفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة ، بينما نجد أن نظرة التحريم في اليهودية قائمة على أساس وجود الدم ولا تفرق بين الحيض والاستحاضة . فالسلوك اليهودي تعبّدي فقط ، بينما نجد أن السلوك الإسلامي يعتمد على الأساس العلمي إلى جانب الشق التعبّدي ، فتحريم نكاح النساء في الإسلام قد وضع للضرر الذي قد ينشأ ، ولذلك قدّم اللّه تعالى العلة على الحكم في قوله تعالى : قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ . . . . وقد هيمن الظلام الدامس على العالم الغربي إلى أن تقدم الطب والعلم . وقد اعتقد العلماء أن دم الحيض يحمل سموما وأن هذا السم منتشر في جسد المرأة من لعاب وعرق . . . إلخ وظل هذا الاعتقاد سائدا بأوجه مختلفة إلى العقد الخامس من القرن التاسع عشر واللّه أعلم . ومن ثمّ اختلف العلماء إلى أقسام شتى ، فبينما أبدى علماء كثيرون شكهم من النظرة المعاصرة ، ظل علماء آخرون يقيمون الندوات والدراسات التي تؤيد النظرة القديمة ، وسلك علماء آخرون مسلكا جديدا وهو أن مكان الجماع آمن ، وذهبوا إلى حد التحذير من أن غسل الفرج يشكل مخاطر جدية ! ! ! ، والإسلام قد أشار إلى الحقيقة منذ زمن بعيد : وهو أن دم الحيض ليس في طبيعته ساما ، غير أن ظروف الوقت والزمان تجعل منه ضارا لأسباب علمية سنلقي عليها الضوء في النص التالي .
--> - وسبب اختلافهم : هل إباحة الصلاة لها هي رخصة لمكان تأكيد وجوب الصلاة ، أم إنما أبيحت لها الصلاة لأن حكمها حكم الطاهر ؟ فمن رأى أن ذلك رخصة لم يجز لزوجها أن يطأها ، ومن رأى أن ذلك لأن حكمها حكم الطاهر أباح لها ذلك ، وهي بالجملة مسألة مسكوت عنها . وأما التفريق بين الطول ولا طول ، فاستحسان . ( بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ، الباب الثالث ، المسألة الخامسة [ وطء الحائض المستحاضة ] ، ص 56 - 57 ) . وكما أشرنا إليه سابقا فإن العلم الكوني يعتبر أداة ترجيح للمسائل الفقهية المختلف فيها في مجال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، ومن هذا الباب نقول - وباللّه التوفيق - : إن مذهب الجمهور في وطء المستحاضة ، ما خلا في الوقت الذي تظن أنه وقت حيض ، هو الصواب ، والله تعالى أعلم . وذلك أن دم المستحاضة في مهبلها غير ملوّث بالبكتيريا ، وعصويات دودرلين التي هي بمثابة المطهّر موجودة وفعّالة ، وبالتالي يجوز شرعا الوطء لانتفاء علة الأذى ( كما تشير إليه المعطيات العلمية ) إضافة إلى المعطيات الشرعية الأخرى ( من قياس كما أشار إليه ابن عباس رضي اللّه عنه ، ولأن من الصحابة من وطء زوجته حال الاستحاضة ولم ينزل من الوحي ما يمنعه ، فدلّ ذلك على إجازة الوطء حال الاستحاضة ) ( انظر تعليقنا على الحديث رقم 87 في « قسم تخريج الأحاديث وصلتها بالإعجاز » ) .